ابن أبي مخرمة
283
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
صلاة التراويح على يد فرّاش في الحرم يعرف بأبي بكر المراغي ؛ لسقوط ذبالة من يده في المساق من غير اختيار منه ، حتى احترق هو أيضا ، واحترق جميع سقف المسجد الشريف ، حتى لم يبق إلا السواري قائمة ، وحيطان المسجد الشريفة ، والحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول الحجرة الشريفة المجعول على خمسة أركان ؛ لئلا يصلّى إلى الضريح الطاهر الشريف ، ووقع ما ذكر من الحريق بعد أن عجز عن إطفائه كل فريق ، فسقف في أيام المستعصم في سنة خمس وخمسين من تلك الحجرة الشريفة وما حولها من الحائط القبلي وإلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان ، ومن جهة المغرب إلى المنبر الشريف ، ثم قتل الخليفة المستعصم في أول سنة ست وخمسين ، فوصلت الآلات من مصر من صاحبها يومئذ الملك المنصور علي بن المعز الصالحي ، ووصل أيضا من صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول آلات وأخشاب ، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان ، ثم عزل صاحب مصر ، وتولى مكانه مملوك أبيه سيف الدين قطز سنة ثمان وخمسين ، فكان العمل في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد بن معاوية ، كانت لها دار مقابل الباب ، فنسب إليها ، ومن باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة بنت أبي العباس السفاح ، وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين الصالحي ، فعمل باقي أيامه في المسجد الشريف ، وأرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست وخمسين بمنبر عمله من الصندل ، فوضع موضع منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يزل يخطب عليه إلى سنة ست وستين وست مائة ، فأرسل الملك الظاهر ركن الدين الصالحي منبرا ، فقلع منبر صاحب اليمن ، وحمل إلى حاصل الحرم . قال الشيخ اليافعي : ( وهو باق إلى اليوم ، ونصب منبر الظاهر مكانه ) اه « 1 » وقد احترق المنبران جميعا ، الظاهري والمظفري في الحريق الكائن في سنة ست وثمانين وثمان مائة ، كما سيأتي بيان ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى « 2 » . وفي السنة المذكورة - أعني سنة أربع وخمسين وست مائة - : زاد دجلة زيادة عظيمة
--> ( 1 ) « مرآة الجنان » ( 4 / 135 ) . ( 2 ) انظر ( 6 / 497 ) ، وانظر الحادثة في « ذيل مرآة الزمان » ( 1 / 10 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 48 / 24 ) ، و « مرآة الجنان » ( 4 / 134 ) ، و « البداية والنهاية » ( 13 / 227 ) ، و « وفاء الوفا » ( 2 / 598 ) ، و « شذرات الذهب » ( 7 / 455 ) .